ابن بطوطة

211

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

وتوجهت إلى مدينة سبتة « 1 » فأقمت بها أشهرا وأصابني بها المرض ثلاثة أشهر ثم عافاني الله فأردت أن يكون لي حظ من الجهاد والرباط ، فركبت البحر من سبتة في شطّي « 2 » لأهل أصيلا « 3 » ، فوصلت إلى بلاد الأندلس حرسها الله تعالى ، حيث الأجر موفور للساكن والثواب مذخور للمقيم والظاعن ، وكان ذلك أثر موت طاغية الرّوم أدفونش « 4 » وحصاره الجبل عشرة أشهر ، وظنه أنه يستولي على ما بقي من بلاد الأندلس للمسلمين فأخذه الله من حيث لم يحتسب ومات بالوباء الذي كان أشد الناس خوفا منه . وأول بلد شاهدته من البلاد الأندلسية جبل الفتح « 5 » فلقيت به خطيبه الفاضل أبا زكرياء يحيى بن السراج الرّندى « 6 » وقاضيه عيسى البربري ، وعنده نزلت وتطوفت معه على الجبل ، فرأيت عجائب ما بنى به مولانا أبو الحسن رضي الله عنه وأعد فيه من العدد وما زاد على ذلك مولانا أيده الله ، ووددت أن لو كنت ممّن رابط به إلى نهاية العمر .

--> ( 1 ) تعتبر سبتة من أهم الثغور المغربية وانشطها ، وقد ارتبط تاريخ المغرب الدّولي والحضاري بهذه المدينة التي تعتبر من إقليم تطوان وعندها تجهز طارق بن زياد للعبور إلى القارة الأروبية . . . هذا ومن الجدير بالذكر أن بعض الباحثين من المهتمين برحلة ابن بطوطة يرى أن الرحالة المغربي قصد الأندلس في مهمة سياسية عهد بها اليه السلطان أبو عنان ؟ ( 2 ) الشطي كلمة من أصل لاتيني ، وتعني المركب الذي يحتوي على صاريّتين ، ويهجى باللاتينية هكذا : Sajitta هذا وقد اهتم ليفي بروفنصال برحلة ابن بطوطة للأندلس معتمدا على مخطوطة الشيخ عبد الحي الكتاني التي تحمل في الخزانة العامة بالرباط ( المغرب ) اليوم رقم 2399 ، والتي تنقصها الأوراق الخاصة بالأندلس ! ! E . Levi - Provencal : Le voyage d'Ibn Battuta dans leRoyaume de Grenade ( 1350 ) Melanges offerts a Wiliam Marcais par l'institut d'Etudes Islamiques de l'Universite de Paris 1950 P . 205 - 224 . Il . T . Norris : Ibn Battutah's Andalu sian Journey , The Geographical Jounroul Vo c XXV Part 2 , June 1959 . ( 3 ) تقع مدينة أصيلا بين العرائش وطنجة على المحيط الأطلسي ولها تاريخ حافل في العلاقات بين المغرب والجزيرة الايبيرية بالرغم من حجمها الصغير ، وقد ورد في المثل المغربي : ( أصيلا صغيرة ومحاينها كبار ) أي متاعبها وأهوالها كبيرة . ( 4 ) القصد إلى الفونس الحادي عشر ، ملك قشتالة الذي توفي يوم 20 مارس 1350 - 10 محرم 751 أثناء محاصرته لجبل طارق - د . التّازي : التاريخ الدبلوماسي للمغرب ج ، 7 - 87 - 89 . ( 5 ) جبل الفتح أو جبل طارق نسبة إلى طارق بن زياد أول قائد للجيوش العربية التي كانت صحبته ، نزله في ربيع 711 - رجب 92 وقد عبر المضيق لفتح إسپانيا وقد انهزم أمامه في الصيف الموالي أوديريك العاهل القوطي ، ومن ذلك الاسم وردت التسمية الأوربية Gibraltar وقد كان في أبرز المصادر المغربية الأصيلة التي تحدثت عن بنائه كتاب تاريخ المنّ بالإمامة على المستضعفين الذي ألفه ابن صاحب الصلاة في عهد الموحّدين ، وقد حققه وعلق عليه - د . عبد الهادي التازي - طبعة ثالثة بيروت 1987 ص - 84 - 88 83 . ( 6 ) القصد إلى الفقيه العالم الصلح الناصح أبي زكرياء يحيى بن أبي العباس أحمد بن محمد بن حسن ابن يحيى بن عاصم القسّ ( بضم القاف وكسر السين مهملا ) النّفزي الحميري الرندي الأصل الفاسي المولد والوفاة المعروف بالسراج ، ترجمه ابن القاضي في جذوة الاقتباس فقال عنه : قلّما تجد كتابا في المغرب ليس عليه خطّه ! انتهت اليه رياسة الحديث وروايته توفي بفاس سنة 805 - 1403 ، ودفن مع أبي عبد الله سيدي محمد بن عباد رفيقه وصاحبه داخل باب الفتوح وقال في درة الحجال : له فهرسته وسماع عظيم ، وقال في الروضة المقصودة : بنو السراج بيت علم ودين بالأندلس ، وينسبهم إلى حمير . . .